عبد الله الفاسي الفهري

43

الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر

صحبة سيدي رضوان وخدمة العلم ، والآن تدنسه في مصاحبة الملوك وأبناء الدنيا ، وترفع الحلة بالتليس ، انظر ، إلى حالة شيخك سيدي رضوان وفراره من ملابستهم ومداخلتهم . فقال : يا سيدي إني لست مثل سيدي رضوان ، فإنه كان لا يرى السلطان الطرفة والفاكهة حتى تسبق منه ، بمعنى أن الناس يتحببون إليه ويتقربون إليه بكل طرفة ، إكراما له وإعظاما . قال الشيخ أبو محمد : فوقع في نفسي الجواب أن أقول له : لأي شيء كان ذلك وما سببه ، إنما هو صدقه « 1 » مع اللّه والثقة به ، ومن كان للّه كان اللّه له ، لكني لم أواجهه بالجواب حياء منه وأدبا معه . فلما رجع الشيخ أبو محمد إلى أخيه الشيخ أبي المحاسن ذكر له ما وقع بينه وبين الشيخ القصار ، فقال الشيخ أبو المحاسن : أما أنا فآمره بالمشي ، فإن هذا الذي حملته هو حمل الفقير لا حمل الفقيه ، ومع ذلك فالناس محتاجون لعلمه فإذا لم يظهر الآن فأي وقت يظهر فأخبر بذلك الشيخ القصار ففرح من ذلك ، فجاء من حينه للشيخ أبي المحاسن ، وشاوره في ذلك فوافقه على المشي ، فوفد على الخليفة المنصور ، فعرف مقداره ومنزلته من العلم ، وأجل رتبته ، وأعطاه مالا يستعين به على إصلاح حاله ، وولاه الفتيا والخطابة بجامع القرويين ، وتفرقة صدقات المساكين ، وكان عنده بالمنزلة العظمى ، وانتصب للقراءة والتعليم والفتيا ، فنفع اللّه به مع ديانته وغزارة علمه وجريه على النهج المستقيم والدين القويم . أخبرني بالحكاية شيخنا الوالد ، وكتبها لي بخطه على نحو ما ذكرنا . وسمعت منه أيضا ، أن الشيخ القصار قد تقدم له سابق يد عند الأمير المنصور ، وذلك أنه لما قام قريبه الناصر « 2 » وظهر له صيت ، كتب الشيخ القصار كتابا للشيخ الصالح سيدي محمد بن علي بن ريسون بتاصروت ، وكان متبوعا

--> ( 1 ) لصدقه ، المصدر السابق . ( 2 ) تعد ثورة الناصر من أخطر الثورات التي واجهت السلطان أحمد المنصور الذهبي نظرا للدعم الخارجي المتمثل في الإمدادات العسكرية الإسبانية ، ثم عدد القبائل التي اعصوصبت حول القائد الثائر ، إضافة إلى صعوبة موقع الثورة في جبال الريف . وتبرز الخطورة أيضا في الاستعدادات الهائلة التي قام بها أحمد المنصور لإخماد هذه الثورة التي اندلعت شرارتها في شعبان سنة 1003 ه . وخمدت أنفاسها في رمضان 1004 ه . ومن هنا نلمس الأهمية التي أولاها السلطان لرسالة صاحب الترجمة . انظر تفاصيل هذه الثورة ، مناهل الصفا ، 169 - 191 .